القاضي النعمان المغربي
314
تأويل الدعائم
من العلم والحكمة حسن الظاهر قائما به لا يطرح شيئا منه ولا يتهاون به ، ومثل العمامة التي يعتمها مثل إقامة ظاهر رئيسه وتحسين أمره ، وذلك يكون مثلا لصاحب الشريعة والأساس والإمام والحجة ولمن هو فوق حده ممن يقوم بالدعوة من الرؤساء فعليه أن يقيم ظاهرهم ويسترهم في حال التقية عليهم ويزين أمرهم بما ينسبه إليهم ويحكيه عنهم وبأفعاله هو إذ هو اختيارهم . ويتلو ذلك قول الصادق صلى اللّه عليه وسلم : إن السنة أن يقرأ الإمام في أول ركعة يوم الجمعة بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقون . وأن يقنت الإمام بعد فراغ القراءة في الركعة الثانية وقبل الركوع فهذا هو الواجب في ظاهر صلاة الجمعة ، وتأويله في الباطن ما قد ذكرنا من أن مثل الركعة الأولى من صلاة الجمعة مثل دعوة الناطق إلى ظاهر الشريعة ، ومثل الركعة الثانية منها مثل دعوة الحجة إلى باطنها ، وأن صلاة الجمعة مثلها مثل عودة الناطق محمد صلى اللّه عليه وسلم التي قام بها ويقوم بها الأئمة عليهم الصلاة والسلام بعده من ذريته صلى اللّه عليه وسلم ، وفي سورة الجمعة الأمر بإقامتها والمسارعة إليها في عصره وبعده صلى اللّه عليه وسلم لقول اللّه عز وجل : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » « 1 » إلى آخر السورة فجرى الأمر بذلك في السعي إليه وإلى من يكون منه من الأئمة من بعده صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل ذلك بإجماع تأويل ما في الجمعة يعنى به الناطق وذلك قوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ « 2 » فالأميون هم المستجيبون لدعوة الأئمة والرسول منهم هو الناطق وهو الرسول في عصره ، والإمام من بعده في زمنه في كل عصر « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » « 3 » يعنى اللاحقين من الآخرين الذين هم أتباع الأئمة في كل عصر وزمان لم يلحقوا الرسول ولا من كان في عصره وقوله : « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ » ففضله هاهنا هو الإمام ، وقوله « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها » « 4 » يعنى أهل للظاهر ، والتوراة كما تقدم القول مثلها مثل الظاهر وقوله
--> ( 1 ) سورة الجمعة : 9 . ( 2 ) سورة الجمعة : 2 . ( 3 ) سورة الجمعة : 4 . ( 4 ) سورة الجمعة : 5 .